التخطي إلى المحتوى

الحمدُ لله ربِ العالمين والصلاة والسلام على رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، أما بعد ، صادف تاريخ يوم امس الجمعة الخامس عشر من شهر شعبان – فلسطين – وهو نفسه التاريخ الذي تم فيه تحويل قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام .

في هذه السطور التي ستتضمن الحديث عن الحدث التاريخي الديني سنبين لكم منزلة القبلة ومنزلة النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلة المسليمن ومنزلة الصلاة في دين الله عز وجل .

– نبدأ بالتعليق على قوله عز وجل في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :”سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ”

عندما أمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بتحويل القبلة في الخامس عشر من شهر شعبان وفي رواية أخرى في الخامس عشر من رجب ، فتم تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام ، فقد خرج الكثيرين بأراء مضادة للإسلام كعادتهم وهم الذين وصفهم الله في قوله السفاء من الناس، والسفهاء المقصودين في قوله عز وجل ، هم كفار قريش واليهود والمنافقين .

فكفار قريش قالوا :”عاد محمدٌ إلى قبلتنا وسيعود إلى ديننا كما عاد إلى قبلتنا ” ، أما اليهود فقد قالوا :”لو كان محمد نبياً حقاً ما ترك قبلة الأنبياء ، والمنافقون فقد قالوا :” إنه لا يعرف أين يتجه تارةً هنا وتارةً هناك ” .

فحول هذه الفرق الثلاثة فقد قال عز وجل :” سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ” ، خفاف العقول بكذبهم وبهتانهم فكان غير مستغرب منهم أن يقولوا ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها .

والقرآن الكريم كلام الله عز وجل ألفاظه عظيمة، فالناظر في الأية ” سيقول ” فإن كلمة سيقول تدل على القول سواء في المستقبل أو الحال، على الرغم من أن الفرق الثلاثة السابقة قد قالوا وانتهوا فلم يقول ” قال السفهاء ” ليبين لنا عز وجل أن السفهاء من الناس سيبقون في كل زمان وسيستمروا بالطعن في دين المسلمين وهو ما نراه في يومنا هذا .

وجاءت الإجابة من الله للذين قالوا :” مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ” فقد قال لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) في تكملة الأية :”قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” .

وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت ، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك قال زهير حدثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وبالتالي لما قدم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على أجداده أو أخواله من الأنصار و قد صلى 16 أو 17 شهراً بإتجاه البيت المقدس ، فإن كان 16 شهراً في يوم 15 رجب هو اليوم الذي أمر الله تبارك وتعالى نبيه بتحويل القبلة أما إذا كان 17 شهراً فإن يوم 15 شعبان هو اليوم الذي تم تحويل فيه قبلة المسلمين .

وقد كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يريد التوجه نحو الكعبة لمخالفة اليهود في صلاتهم ، وقال ذلك لجبريل – عليه السلام – فقال له جبريل : “إنما أنا عبد مثلك فادع ربك وسله لأمتك ” ، فكان يقلب النبي صلى الله عليه وسلم بصره إلى السماء ، واستجيبت له دعوته فأنزل عز وجل قوله :” قَدْ نَرَى تَقَلُّب وَجْهك فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَة تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهك شَطْر الْمَسْجِد الْحَرَام ” .

يظهر شرف ومكانة القبلة في ذلك فقد كان أول أمر أخذ من القرآن هو تحويل القبلة ومهد الله لذلك الأمر بربعين كاملين من سورة البقرة قبل أن يأمر النبي بتحويل القبلة، حيث بدأ بقوله تعالى :” مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ” ، إلى أن وصل إلى قوله تعالى ” وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ” .

وبين الله عز وجل في الآيتين السابقتين وما بينهما من آيات ( من سورة البقرة آية 106 وحتى أية 123 ) ، خلافات اليهود والنصارى ، فبعد كل هذا التمهيد قال عز وجل :”وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ” .

فيظهر شرف تحويل القبلة في أنه الأمر الأول الذي نسخ من القرآن ، والشرف الثاني قوله صلى الله عليه وسلم :” من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته ” .

وقالت عائشة رضى الله عنها ” إنهم ( أي اليهود ) لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام : آمين ”

وبيان شرف الأمة الإسلامية ومكانتها فقد قال الله عز وجل :” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ” .

فجعل الله دين الأمة الإسلامية أفضل دين و كتابها القرآن أفضل الكتب ومنهاجها أفضل المناهج وشريعتها أكمل الشرائع ومنزلة الأمة الإسلامية في الدنيا هي خيرُ الأمم وفي الأخرة هي أقوم وخير الأمم لتكون هذه الأمة شهيدة يوم القيامة على الناس ويكون رسولها الكريم شهيداً عليها كما قال عز وجل .

فستشهد الأمة الإسلامية للأنبياء أنهم قد بلغوا رسالتهم لأقوامهم يوم القيامة حينما ينكروا أقوامهم ذلك .

مكانة الأمة الإسلامية عظيمة فقد حصنها الصحابة رضوان الله عليهم بسرعة السمع والطاعة ، فإذا سمعوا قال الله وقال الرسول ، قالوا :” سمعنا وأطعنا ” .
-رجل خرج وقد صلى صلاة واحدة مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على قوم كانوا يصلون قبل بيت المقدس فقال أشهد بالله لقد صليت مع النبي قبل الكعبة ، فاستداروا وهم في الصلاة قبل الكعبة وهذا دليل على سرعة السمع والطاعة للصحابة – رضي الله عنهم – لأوامر الله ورسوله الكريم .

وفي يوم وقف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على المنبر فقال : اجلسوا أيها الناس ، وكان ابن مسعود علي باب المسجد يريد الدخول ، فجلس في مكانه .

يا لها من طواعية عظيمة وسريعة من صحابة رسول الله ، فقارن أخي الحبيب بين حالنا وحال الكثير من الناس ، كيف يدعون إلى دين الله و يستجيبوا بالتردد ويختلقون ألاف الأعذار ، لعله كذا وكذا ، لعله مكروه لعله ليس واجب ولعله …

وأكمل عز وجل قوله :” وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ” .

فإذا تحويل القبلة أيضاً هو امتحان واختبار كغيره من الإختبارات التي مر فيها الصحابة الكرام في بداية الدعوة الإسلامية كرحلة الإسراء والمعراج والعقبة الأولى والثانية .

اختبارات عظيمة مر بها الصحابة كما هو حال شعبنا اليوم يمر في اختبارات عظيمة ، لتمحص القلوب ليرى الله من منا يثبت على الحق .

فالمؤمنين الذين يثبتون على الحق هم كالذهب الخالص إذا وضع في النار صار أنقى مما كان .

– قال ( صلى الله عليه وسلم ) : “نحن الآخرون من أهل الدنيا ، والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق” .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.